الأحد، 2 أغسطس 2015

لغةٌ من الماءِ

دخانٌ يتصاعد من قذيفةِ الحزنِ المهيمنِ فوق قارعةِ المدينة. بحرٌ يهيمُ في سواد، أقنيةٌ من الزجاج تتكسر مع كل موجةٍ. هذا الكونُ رداءٌ يلبسُ الصيف وليس ثمَّ ما يؤرخُ العرق الذي يتصبب من جبينِ اللغة. هنالكَ شاعرٌ مسجونٌ،  لكنه يصرخُ بملء صوته.
وآخرٌ يتحررُ ، لكن ماذا يفعلُ بالتاريخِ الذي يبدو سجينا؟.

كلُّ الروايةِ أن يُكتبَ الحزنُ ، كيفما ينبغي لهُ أن يكون ولسنا بصدد السؤال عن المزيد من التهلكة.
ذلك الحزنُ الذي يدور مثل أسطوانةِ موسيقيةٍ في كل آنٍ بلا انقطاع.

متعبٌ هو العالمُ الذي ينحني ليغطس في الوحل الذي خلّفهُ البشر، هذا الشحوب والأرقُ الذي يصاحبنا أكثر من الماء.
لستُ أدري أيهما سرُّ الحياة ، الماء أم الدماء. كلاهما ينضحُ بما في الأرضِ من موت وما للسماءِ من أثر سوى وجهُ الأسئلة.
إذن كيف ستبقى للأرضِ نافذةٌ مفتوحة، إذا اختنقَ السؤال؟. 

أيهما تفضلُ اللغة، أن تبقى عاجزةً عن المضي إلى المستقبل في ظل الواقع، أم تفضل صناعة الوهم ابتكاراً يجنبها عناء الثبات؟

ليس الوهمُ إلا هروبا من مقصلة الجمود. غالبا تقاسمني الموسيقى لحظاتها الكبرى ، كجزء من التأمل الذي لايتوقف لدى العقل، تلك المسكوبة على جرح البشر صغارا أو كبارا.

أسألُ :كيف يستطيعُ البشر بناء عالم دون نغم؟ ، كيف يتعايش الشعراء مع ذواتهم لولا أن ألبير كامو لم يتنبأ بصخرة سيزيف، الصخرةُ التي تتدحرجُ كاللغة على صدرٍ رجُلٍ واحدٍ هو الشعر.

وطنٌ أمرُّ من المنفى ، هكذا تبتكرُ التناقضات حقيقتها الجديدة، سارتر يسعى في قلب باريس ،يوزع منشورات اليسار، يتأمل في وجه فولتير : يريدونني أن أتوقف!. قل لي إذن :كيف لي أن أربط عينيك عن الحقيقة؟.
هكذا يجب أن تدافع اللغة عن الحرية لا أن تسوغ لقتلها.


"لستُ أخشى من اليوم الذي تنتهي فيه الأجوبة، أخشى ذلك الذي تنعدمُ فيهِ الأسئلة."

"كل ما يُقرأ لابُد أن يُنسى، لأن القراءةَ ماءٌ. هل تُحسُّ اللغةُ بأنها تتحركُ؟."




الاثنين، 27 يوليو 2015

فرحٌ

بحرٌ يتكوّمُ 
مثل دماءِ الفرحِ الدافئِ
ذلك الفرحُ الذي
يطهرُ عرشَ اللغةْ.

موتٌ ، 
من دونِ القنابلِ ، ينمو
ليسَ لأن السماءَ أغنيةُ الشفقِ
بلْ لأن الأرضَ 
راقصةٌ لعوبْ !


لا تُخطئُ الصلواتُ ربانها
ليس من إلهٍ آخرٍ
لا يستجيبْ
سواكَ أيها الحبُّ


24 تموز 2015

الأحد، 31 مايو 2015

حبرٌ

ورقٌ يصعدُ في يديَّ ويهبطُ
حبرٌ ، إلهٌ ،
حبلُ مشانقٍ وتخومُ ..
جسدي خيالُ وضلعيَّ أعوجُ
والبحرُ أعضاءٌ
تُعاقرها النجومُ.




الظهران

٢٢ آذار ٢٠١٥

ما نِمّتُ كي أصطاد رُؤيا في الكرى



تفتتحُ باكورة التأمل في يومك أو عامك وفي اللحظات من حولك ، فربما لا تجد ما يشفي غليلك من الوصف ، طالما ترددت أبياتٌ من هنا وهناك في ذاكرتي لتخترق مظاهر الواقع من أمامي ، بقدر ما تكونُ جميلةً وبائسةً وحالمةً في آن واحد. 


 في 'ما لم تقلهُ زرقاءُ اليمامة' يُكشفُ محمدُ مصيراً ، يروضهُ من حيث لا تدري ، يجعلهُ مواتيا حيّناً وحيّنا غير موات. كل شيءٍ هنا يدخل من بوابةِ الحزن ويخرجُ مبتلا بالأمل.

يصوّل ويجول ويُركب الأشياء فوق بعضها البعض ثم يفككها ويلقيها في وجهِ اللغة، علّها تبتكرُ لهُ طريقاً وتبني لهُ منزلا. 

هكذا يبتدأُ محمدٌ قصيدتهُ وكأنه يوقف الواقع ليرى صورته في مرآة الدمع، دمع الأنبياء الذي يكشفُ عن جحيم المستقبل.

شيءٌ
يُطلُ الآنَ من هذي الذُرى
أحتاجُ دمعَ الأنبياءِ
لكي أرى

يسيرُ مستدعيا كل أروقةِ التاريخ علّها تُخيرهُ في نبوءةٍ ما، ويُسائل هذا التاريخَ وماجناهُ من أحجيةٍ باتت تؤرقهُ اليوم ولستُ أدري إذا كان يرغب في القول ما إذا ابتكر أباؤنا التأويلَ كي يفصلون به بين قداسة النص وجدلية تأويلاته أم أن التأويل وحيٌّ آخر يملأ جعبتنا ويُثقل كاهل الأسئلة علينا ، وكيف تبدو أحوالنا نياماً ، لستُ أدري ولكن الأبيات تأخذني لذاك، ثم أصحو على فاجعة الشجر وماءهِ المتبخرِ رهنا للعرافة : 

النصُ للعرّافِ..والتأويلُ لي
يتشاكسانِ هناكَ
“قالَ” و”فسّرا”
 ما قلتُ للنجمِ المعلّقِ: دُلني
ما نمتُ
كي أصطادَ رؤيا في الكرى
شجرٌ من الحدسِ القديمِ
هززتُه
حتى قبضتُ الماءَ حينَ تبخّرا

يتابعُ نبوءته، يتشبث بفانوسها كي يكشف عن غياهب الحاضر التي تشتبك أمّامنا ويدرك أن السواد مصيرٌ لا مناص منه، حتى على جسد الأرض

لا سرَ
فانوسُ النبوءةِ قال لي:
” ماذا سيجري”
حينَ طالعَ “ما جرى”
في الموسم الآتي..سيأكلُ آدمٌ
تفاحتينِ
وذنبُه لن يُغفرا
الأرضُ سوفَ تشيخُ
قبلَ أوانها
الموتُ سوفَ يكونُ فينا أنهُرا


وما إن يتفجر هذا الظلام حتى يبدأ الشاعر في استدعاء التاريخ كله، يُمثلَ لنا صيرورة المستقبل، مجادلا الموت والحياة والأرض التي تفرد صدرها لمدى الاحتمال ، حتى تلك الصحيفة السومرية التي تحمل تاريخ ما قبل الطوفان أو بعده، لم تعدْ تُثنيه عن متابعةِ الاحتمال. ربما كان ينوي النجاة بالظلام من هذا الهلاك، بتنبؤاته التي لا تترك للمدى شهوة المفاجأة

وسيعبرُ الطوفانُ من
أوطاننا ..
من يُقنعُ الطوفانَ أن لا يعبُرا؟

وكأنني أتحسسُ هذا المستقبل بملامحه الجهنمية ، ارفع عيني على شمس قد تضيؤهُ ، لكنه يعاود تنبؤاته ليُّقر التيهَ مرةً أُخرى. إنهُ يستدعي الجوع والفوضى والصخب وصيحات الضجيج، ويستدرج القرامطة الجدد لأن يصيحوا صيحتهم، أن يقطعوا سُلالة الانتظار ويبدأوا أخذ أمكنتهم في قافلةِ الحياة ، ويبحث في مصير اللغة التائهة في أفواهِ البشر

ستقولُ ألسنةُ الذُبابِ
قصيدةً
وسيرتقي ذئبُ الجبالِ المنبرا
فوضى…
وتُنبأُ كلَ من مرّت بهم:
سيعودُ سيفُ القُرمطيّ
ليثأرا
وسيسقطُ المعنى
على أنقاضنا
حتى الأمامُ سيستديرُ إلى الورا

ما الذي قد يجنيه شاعرٌ يسيرُ إلى التاريخ ويستعيدُ ولادتهُ أمام عيون القارئ التائهِ في دهاليز السراب؟ ، حتى الشنفرى الذي أفنى حياته غازيا يظهر لنا بين أبيات القصيدة حاضراً متصعلكا وعداءً وربما منتقما ، ويترك هذا المستقبل تائها دون حادٍ ولا مرشد فرؤوسنا التي يراها ستصبحُ عاريةً أمام الاستبداد بلا مُخلص ، وبلا رحمة هنالك ، حتى اللحى التي تتحدث بإسم ميراث الحقيقة ستتجاهلُ أشلاءنا كما لم تكنْ


في الموسمِ الآتي
ستشتبكُ الرؤى
ستزيدُ أشجارُ الضبابِ تجذرا
وسينكرُ الأعمى عصاه
ويرتدي
نظارتينِ من السرابِ ليُبصرا
سيرى القبيلةَ وهي تصلبُ
عبدَها
فـ”الأزدُ” لا زالت تخافُ “الشنفرى”
سيرى المؤذنَ والإمامَ
كلاهما
سيقولُ ” إنا لاحقانِ بقيصرا”
في الموسم ِ الآتي
مزادٌ معلنٌ
حتى دمُ الموتى يُباعُ ويُشترى

ويتم شاعرنا تنبؤاته، تاركا أقواله أمام جلالة الرؤى ، أمام إلياذة الكاشفين عن الطريق، يستفهمُ ويستطردُ ويغوص

ناديتُ:يا يعقوبُ
تلك نبؤتي
الغيمةُ الحُبلى هنا لن تُمطِرا

وكأنه يستدعي شيئا ما ليّوقفه عن التيه في الظلام، في الإحباط ويشعل شمعةً في نهاياته كي يتبصر التأويل

قال:اتخذ هذا الظلامَ
خريطةً
“عند الصباحِ سيحمدُ القومُ السُرى”
لا تبتأسْ
فالبئرُ يومٌ واحدٌ
وغداً
تؤمرُّكَ الرياحُ على القُرى


وماذا عن الكلمات الجميلة، ماذا عن الطبيعة والشعر والحاضر المضيء  ، أيترك شاعرنا كل ذاك؟ 

اخلعْ سوادكَ
في المدينةِ نسوةٌ
قطّعن أيديَهن..عنكَ تصبُرا
قمْ صلِ نافلةَ الوصولِ
تحيةً
للخارجينَ الآن من صمتِ الثرى
واكشف لإخوتكَ الطريقَ
ليدخلوا
من ألفِ بابٍ إن أرادوا خيبرا


وماهي إلا كلمات يغير فيها مسار المستقبل البعيد، مستوحيا من سواد الحاضر مصيراً آخراً ، فكأنه يسكنُ في الجُبِّ ويعلم يقينا ما ، ويرى قميصَ يعقوب يلوح في أفقٍ مبهمٍ ويطلب منّا أن نمسك بخيطِ ضوءٍ، أن نحبس أنفاسنا حتى يتبدى لنا المطر :

ستجيءُ سبعٌ مرةٌ
فلتخزنوا
من حكمةِ الوجعِ المصابرِ سُكّرا
سبعٌ عجافٌ
فاضبطوا أنفاسَكم
من بعدها التاريخُ يرجعُ أخضرا
هي تلك قافلةُ البشيرِ
تلوحُ لي
مُدوا خيامَ القلبِ
واشتعلوا قِرى
أشتّمُ رائحةَ القميصِ
وطالما
هطلَ القميصُ على العيونِ وبشّرا





المدينة المنورة

١١ آذار ٢٠١٥

الأحد، 24 مايو 2015

مواربةْ



-١-
متأملٌ في الدمِّ الذي يُسكبُ في كؤوس الأرضِ
ربما قيّل 
: هذا القتلُ أهونُ من تمامِ الذاكرة !


-٢-
يبحثُ عن ذاكرةٍ مُكْتملة، كأنهُ يتَرجَى السماءَ أنْ تُطوّقَ الأرض فوقه ! 


-٣-
قلّما يشهدُ الرملُ لحناً جديداً، قُلّ ليْ إذاً ماذا اقترفتَ لكي تصيّرَ رملاً؟ 


-٣-
عالمٌ يلتحمُ بالخلّاصِ مُقدماً قرابينهُ بشراً
وأشجارهُ وليمة ..
ماذا تُسميّهِ أيها الرملُ؟ 

لا أسمعُ الآن أي أغنيةٍ ، ولا أُحسُّ الآنَ بالأبدِ.

-٤-
ألبسُ وجهاً ثم انتظرُ إقتراب الصبحِ لكي أخلعه، 
أطوفُ بالوجعِ المُصابرِ،
 أُصاحبُ فتنةً ..وأصيّغُ أُخرى

قالتْ الأرضُ : لماذا اخترتني وطننا؟ لماذا أنا؟.


-٥-
أعجبُ ما يفعلهُ البشر : انتظارُ المطرْ
كأن لا شيءَ يغسلُ درنَ الأرضِ إلّاه. 

فلِما إذاً نسمي المكانسَ التي لا تُعطي الأرضَ نشوتها؟


-٦-
أعرفها ، أو أدّعي ذلك ، تلك اللحظةُ التي ينتظرُ الغيبُ فيها
دماءَ البشر! 


-٧-
لماذا يجهضُ الماضي كل محاولاتِ الدهرِ
أن يصغي لأفواهِ النساءِ اللاتي انتظرنَّ مجيء القدر؟

العالم العربي يشبهُ النسوة في ضجيجهن المتواصل (الخلّاق) بدون استجابة من الكون.


-٨-
إجابةً للأصدقاء الذين يطالبون بالكتابة :
لو أدعو إلى لغةٍ، لن تكونَ غيرَ منفى
وكيف يبدو بيني وبينَ النارِ خارطةٌ
اسّمُها "وطني".

أتساءلُ : كيفَ لايكونُ القدرُ ذا سطوةٍ، وأنتَ لا تختارَ وطنك؟.


-٩-
يدُّ اللهِ التي تخلقُ ، أليست تُريدُ لهذا الآخر أن يكون؟
فلماذا، إذا يحاولُ العالمُ أن يستنزف آخره؟

-١٠-
(غاندي) 
مثلُ أنبوبٍ يحتضنُ العالمَ وحدهُ قلبي يضخُّ الدمَّ لهذا الدماغِ الذي يسمى ضميراً.

-١١-
ماذا يفعلُ عقلٌ يسيرُ وحيداً في وسط جزيرة كهذه؟، ما الذي يحميه من الماضي وذاكرةِ الجماعة. قلتُ : أحياءٌ بلا موت، من عمّروا الحاضرَ بسطوةِ الماضي.


-١٢-
هذه الأجيال التي تتناسخُ من بعضها ، كأنَّ آدمها صخرةٌ. لما تُريدُ أن تبقى إلى الأبدِ؟.

-١٣-
شرقٌ أوسطٌ ، يتوسطُ المحيطات كأنهُ يجرّها إلى أن تتلوّن ، لا بلّون السماء، بلّ بلونِ الوردْ ! 

أتذكرُ تلكَ الوردةُ التي قتلت 'ريلكا'.



22 حزيران 2015


السبت، 25 أبريل 2015

قاربٌ ورمْل

الصيف يقترب، الشتاءُ ، الغبارُ يجتاحُ بقايا البردِ ويقتطعُ النسيم. ويبقى الغيمُ حائرا في وجهته الجديدة، يتشتت، تبقى غيمةٌ واحدة تجوب الصحراء تمطر ولا تمطر. 

التاسعة صباحاً ، الشمسُ تقترب من تعامدها على رؤسنا نحن الأربعة. نقف أمام معضلة محولٍ للطاقة ، وكأيِّ يومٍ آخر. نستجمع قوانا نكافح الشمس والريح ونسمات الغبار. أقفُ بجانبي آصف من جمهورية باكستان ويرافقنا مهندسان من أصحاب البشرة البيضاء من جنوب أفريقيا 'كوبي' و'بيتر'. منذ دخولي للموقع انتظر اللحظة التي تمكنني من اكتشاف اللغة التي يتحاوران بها. وأتساءل عن إنتماءاتهم للبلاد التي تحملُ على عاتقها أن تعطي إنتماءاتٍ لكل قاطنيها، بل لكل لغاتهم ولهجاتهم وتقاليدهم المغايرة. وأعود لأسأل ذاكرتي ذات السؤال. 

يسخن الهواء ، يلفح في وجوهنا ذرات الرمل. يقاسمنا العرق وجوهنا. آصف يرفع القبعة ويترك بعض نسمات الهواء نتابع التأمل وروسومات التصميم وتدوين الملاحظات دون جدوى وبجدوى.

كوبي وبيتر من مواليد ما بعد الاحتلال البريطاني لجنوب افريقيا، ينتميان لها ، يتحدثان لغة البلاد ذاتها ، يحملان في أعينهم بريق سواحلها وغابتها الدافئة. كيف لسلالة المعتدي أن ترفض تاريخه وتصر على إنسانيتها أبدا.

الساعه الواحدة ظهراً وقد انتهينا من حل معضلات العمل وبقيت معضلات الجوع والحياة نتصافح نخرج لتناول الغداء. على أطراف سيهات، مدينة مكتظة بالسكان المحليين نقف أمام أحد المطاعم الشعبية بتوصيات آصف فهو يأتي كل يوم منذ عامين على حد قوله. نجلس نبدأ بالطلب ومن ثم يأخذنا الحديث عن الإقتصاد والبنية التحتية وكيف تبدو الأمور معقدة هناك ، نجدد الأمل تارةً بالحديث عن عودة زارداري للحياة السياسة وضمور النزاع الذي لا ينتهي بين الهند وباكستان. نتابع الحديث عن بنازير بوتو ومحاولات الاغتيال التي احتدمت لتسلبها حياتها وتسلب المرأة في باكستان فرصتها الثمينة. يبدو رفقاؤنا صامتين حتى الآن.نتبادل الحديث عن الزعيم الراحل ذو القفار بوتو الحاضر الغائب وعن انفصال بنغلاديش ، عن ذلك الرجل الذي كسب احترام الجميع وغضب الكثير في آن واحد وأصبح ذاكرةً تقتات عليها التساؤلات. 

اسألُ 'كوبي' عن جوهانزبيرق يجيبني بأنها بحال أفضل. اتضح أنه يحدث رفيقه بلغة الأفريكانو ، وعندما سألته لماذا لا يتحدثون بالإنكليزية قال : نحنُ ولدنا في جنوب أفريقيا ولانعرف الكثير عن الإنكليزية! . كنا ننظر أنا وآصف لأنفسنا بتساؤل، بإعجاب وإزدراء، كيف أصبح العالم يقلب الطاولة على نفسه؟.

ها هنا نجلسُ ، كل منا من عالمه ومن بقعة أخرى ، نجهل هذا المكان تماما، بعثت بنا شركاتنا من حدبٍ وصوب. 'كوبي' يستطعم الأرز المطهو على الطريقة الكشميرية ، وأنا أتناولُ قطعة اللحم الإفريقي، آصف يتلذذ بالمشويات العراقية وبيتر المتين -الجنوب أفريقي الآخر- يسألني عن المتاحف المتاحة للزيارة. أُتمتمُ : هذه الحياة لعبة الكراسي الكبيرة.

العم مُراد ، هكذا دعاهُ آصف عندما دخلنا يعمل في هذا المطعم بضعاً وثلاثين عاما، ابنه الأكبر يراجع الحسابات، الأصغر يحمل الأطباق ويجددُ السُفر. كيف يبدو النفط قريبا وبعيدا في الوقت ذاته؟ ، كيف تمتد يدهُ لأقصى أفريقيا وتترك من يقيمون هنا؟. لا جواب، حتى هذه الشمس تراوغُ في ضوئها الذي يختفي ويعود. غيمةٌ تقترب وأخرى تذهب.

ليس هناك أحدٌ يستطيع التنبأ بالمطر، ما أن يفعل حتى تعود الشمس لتصهر هذا التنبؤ. الطائراتُ تملأ الأجواء تحفز هذه الرياح للثورة. الرياحُ ثورةٌ لا تقبل القصف، وهذه الصحراء ليست يمناً بائساً ولا سعيدا. نخرجُ لنتابع ما بدأناه صبيحة هذا اليوم، يحدجني آصف بنظرة بعد ما انهينا الحديث عن الكساد وإفلاس اليونان وعن المستقبل القريب. ربما يعاتب من يشترون عراقةَ الأمكنة بدولارات النفط وعرق السكوت. أمشي يمر في خلدي شريط لحياةٍ لا أعرفها ، عالم يتطابق فوق بعضه، تساؤلاتٌ لا تنتهي كلما نظرت إلى الرمال الشاسعة حول الطريق. جنونٌ جديد يجتاحنا أكثر ممن ارتحلوا في سفن الجنون خلال العصور الوسطى، ربما كشف فوكوه سر الجنون للبشر كي يجعلوا التيه صبغةً لهذا العالم. نسمةٌ تهرب من ضفاف البحر تحددُ آمالنا في أن نصل لقدرٍ آخر لا تعتريه خطيئتنا.


الظهران 
٧ نيسان ٢٠١٥

الجمعة، 24 أبريل 2015

عقلْ



تخامرني الرغبة ذاتها في الكتابة. أهربُ ، لا لشيء سوى أنني مستلمٌ للمكان والعتمة، وليس لدي أدنى ما يُقال لهذه الشهوة التي تمخر وجه النعاس. تهبط وتصعد كأنها معلقة في مصير الضوء.

- يهاتفني العقل : ربما هذا ما يعجب الكتابة، أن تقودها الغواية وحدها ! 

هل لكَ قِبلٌ بأن تنهض في منتصف الليل ، ترتدي قميصا رمادياً ، شالا أسود، ربطةَ عُنقٍ فاتحةَ اللونِ .. تتأنق ، وأنت لا تعرف لأين تذهب؟. ربما تريد مرآةً أوسع تقلبُ عينيك فيها. لا تقلق ، لن ترى أفقا آخراً ما لم يذوب الصراع في عقلك. بين ذاتك وبينك، هذا الصراع الأبدي الذي لا ينتهي إلا بالموت. اسألُ كيف يكون الموتُ عُرسا للنفس أيها المُعري؟ 

لا تأنفُ النفسُ من موتٍ يلمُّ بها
فالنفسُ أنثى لها بالموتِ إعراسُ

حقلٌ هي النفسُ لا تتسع لمادةٍ واحدة ولا لجسدٍ واحد، أقولُ. أفكرُ في ما قد كان يمليه علي هذا الجنون في منتصف الليل ، أن اكتب. أن أتجول هاربا من شيء إلى اللاشيء ذاته. ليس دقيقا أن الروح والجسد منفصلان ، هما ذات واحدة تتموج بين موت الغواية وحياتها.
أن تموت الغواية ، يعني أن يعجز القدر.

عبثاً يريد هذا الهاتفُ الساهرُ أن يسخر مني طوال الليل ، أن يراني أتصارع مع الذات لوقتٍ إضافي، ولستُ أعرفُ ما جدوى الحياة القادمة طالما تبدو في شكل صراعٍ لا يحسم ، بيني وبيني.

ويبدو أنها ستمضي في حوارات العقلنة المستنفدة سلفا، تلك التي يقوم بها عقلٌ بائسٌ كعقلي. لا أريد أن أصدق أن هذهِ النفس حقلاً. ألأنّني أخشى اكتشاف المصيبة في ذاتي؟. كيف سيكون هذا الحقل الذي تلفحهُ الصحراء بالريح التي تحمل الحشرات كل ليلة؟. أظنّها تتوحش بشكل أكثر لطافة من ضجيج العالم !

افتح مفكرةً قديمة، اكتب مسايرةً لهذا الليل. وكطفلٍ يتثاءبُ في مقعد عربةٍ خلفي .. يسأل مراراً : متى سنصل؟. لكن هذا الليل لا يكلُّ من الأسئلة. لا يلتفت ، لا يوحي بأي شيء. الكتابة أشبه بإنتحار فكري للفرح على يد الحزن. ألأن الحياة -المأساة- تبدو أوضح خلالها ؟ . 

"عالمٌ كتابتهُ مأساة ، وقراءتهُ ملهاة."

أدونيس يضع حدا بين التساؤل والحكم القاطع ، مستنجدا بوجه الأسئلة. وبعنوانٍ كهذا مرةً أخرى.

"كل شيءٍ نسبي إلى سرعة الضوء"، ألبرت أينشتاين.

أتساءلُ ما إذا كان القلبُ ضوءً أو ظلاما.

 الكلام فضة ، لأن الذهب وجهٌ أخرٌ للعهرِ .

من بحثَّ عن الآخر ، الشوكُ أم ريلكه؟ 

ذبابةُ آرثرَ تترنحُ ، ألأنَّ علم الأخلاق هو إعياء الدماغ؟*

آخر مراحل الجنون ، هي تلك التي نعيشها بين أسئلةِ الوجود واللاجود. -شكلٌ آخرٌ للعدم- يتلبسُ في الذاكرة.

جبهةٌ واحدة  .. لكل العقولْ ، 

أمةٌ لا تتركُ شيئاً يرفعها ، تحبو كأنها تريد الطيران على ركبتيها !


شيءٌ ما يستهوي النعاس يأخذه ثم يعيده. يتركني معلقاً بين اليوم والغد. الصباحُ الذي يتثاءب كعجوز ، دخان المصانع الذي يتصاعد من الغضب، والبحرُ الذي لا يخبرني بشيء حتى اسمه !.

طالما يرفضُ هذا الشارع بأضواءه الخافتة ، التي يتشكل ظلّها كإيقاع خطوات فاتنةٍ غائبة أن يكون طرفا في هذا الليل. على أن أخلع حذائي ، وعلى ذلك قلمي ، رحمةً للأبجدية.


*إشارة لقصيدة آرثر رامبو : الذبابة السكرانة.


الظهران 

٢٤ نيسان ٢٠١٥