الجمعة، 18 يوليو 2014

مقاطع / شباط

(جلجامش)

آذنت للحربِ أن تحط رحالها

وجعلت الضوء يخبو

عابراً بحرَ المدينةِ للمضيق

حالما أن يمُرَّ الزمانُ خلالها

(عليّ)

البيوتُ والشوارعُ لا تجيبْ

إلا بإسمِ غوارها

أيها الصوتُ بلا صدى

والمسافةُ والوصولْ

(قُطز)

أتيتَ للنارِ بعدَ رقيبها

أتيتَ للغةِ التي تهيمُ بلا بلادْ

وجهُكَ طفلٌ وسيفُكَ سيّدُهْ

(راحلة)

أشهدُ أن هذا الكونَ يُنصفُ

نصفٌ أراهُ في عينيكْ

ونصفٌ آخر يُطلُّ على المدينةِ

ويوما نزلتُ إلى القاعِ ابحثُ عن قناعْ

للشاعرِ التائهِ في بلاطِ الملِكْ

ورأيتُ الفجرَ راحلةً

لاتزالُ تهيّمُ بهذا الأبدْ

(قارعة)

يُزلزلُ هذا الليلُ أوداجنا

عن كل بسمةٍ كاذبةْ

وحدُها الهزيمةُ من تُصدقُ أننا نبتسم!

(مُجاهرة)

يتوهُ أمام خارطةِ الطريق

يرى الصحراءَ تنهشُ جسمها وتخومَها

يرى وجهَ الخليفةِ مصفوفاً على النهرِ

يرى الوطنُ مُنكباً

/ دونما تهجئة

(مُجاهدة)

السيفُ لأرضِ البيضِ أو الشهادةْ!

يا سراجاً يعبرُ الأشياءَ إلى المدى

'رأيتَ وجهَ اللهِ في مرآةِ مديّنْ

فاستفاق من الجنونِ شيخاً،

يُدافعُ عن حصادهْ'

(عدوان)

هل يجيءُ اليومُ الذي تنامُ بهِ الطائرات؟

كلّا ، لم نعدْ نعرفُ لليومِ معنى

إذا لم تُعطرهُ السماءْ

وُهبِنا جسدَ العروبةِ وحدنا،

وُهِبنا جمرَنا ماءً

والكرامةُ منزلا

(سُنبلة)

لا تدعني ابدأُ تهجئةَ السنينْ

لا تدعني ارفعُ عيناي عن الكتابْ

ربما يطفو على السطحِ شيءٌ واحدٌ

اسمهُ / غضبي

(غائبٌ) 

يبحثُ عن إنسانٍ يُقاطعهُ الطريقْ

يتحدثُ عن ليلهِ معهُ

ويخوضُ المسافةَ التي تفصلُ بينَ قدميهِ

لكنهُ لا يجدْ !

(شاطئ)

يلعبُ بالرملِ ثم يسمعُ أهازيجَ بحرهِ

ولجّاتِ أوطانٍ تُسافرُ عبرَنا

تُسافرُ نحوَّ أرضٍ لا تموتْ

'من قال أن البحر يحفظُّ سِرنا؟'

(رحيق)

يلمسُ النخلَ في صدرهِ

والثمرُ في صدرها

هل رأى في الكونِ قارعةً /سواها

(سلمى)

يغيبُ هذا الشهرُ في وجهكِ

يخرجُ من بينِ أظافري تائها

في زورقٍ لا يؤديّ إلى هدفٍ

'كم مُحيطٍ سأعبرُ كي أرى / تاريخنا'

(سِوار)

أهديتُ للضوءِ ذاكرتي وغابْ

ثم عادَ الضوءُ إلى الشوارعِ والمدينةْ

وذاكرتي -لم تعُدْ-

(مرافقة)

هذهِ المعابدُ تجرُّنا للموتِ معاً

خلفَ جُدرانٍ من الجهلِ نركضُ ياصديقي

نهرولُ نحو الموتِ ونعشُنا 'آلهة'

(صوتْ)

أترقبُ قِبلةَ الموتِ في عُنقي

لستُ الضحيةُ ، فمن أكونُ ؟

(مُقلة)

أُقلبُ هذا الدهرَ على صفيحِ موتٍ

أُشعلُ المصابيحَ التي لا تُضيءْ

لكنني لا أرى -سواك- !

(نجمة)

صامتٌ ارتاحُ في عينيكِ من الكلامْ

واقفٌ في طريقِ الأمنيةْ، 

'أن أكون أنا' 

عُملة

رأيتُ وجهَ أبي فوقَ عُملةِ النقود

رأيتُه نازحاً من بلادهْ

رأيتهُ غارقاً في دمي

وعلى يديهِ قيل للتاريخِ كُنّ

فكان أبي جوهرُ التاريخ

يُتوقُ الملوكُ إلى حصاده

أبي 

يادرهمَ الذلِ والكوليرا

ويا حربا تنوبُ عن الولادة!

الخميس، 10 يوليو 2014

الأصولية وأزماتها

منذ بداية الحرب الباردة في منتصف أربعينيات القرن العشرين وانطلاق المعسكرات شرقا وغربا في سن أسلحتها وانحياز كل منها لأحد الفريقين (الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي) , في سياق أنظمتها الداخلية أو الاقتصادية واضعة مصالحها السياسية والحزبية في طليعة الأهداف.
وكان لكل من وقف إيديولوجيا مع إحدى الطرفين  من دعم دولي منفردا عن غيره من القوى السياسية داخل البلاد والأقاليم وسرعان ما بدأت اللعبة تتسع ولم تتوقف على الأنظمة الحاكمة كما كان بل شملت الجماعات المسلحة والأحزاب المعارضة كما حدث في حرب الإتحاد السوفيتي على أفغانستان في عام 1975 وتوسع الجماعات المسلحة ونشاطاتها غير مسئولة عن توجهاتها وآفاقها لاهثة وراء مصالحها التي تضمن لها تحقيق تطلعاتها . ومع بداية تساقط الاتحاد السوفيتي وإعلان ميخائيل غورباتشوف تفكك حلف وارسو وسقوط الاتحاد وانتهاء الحروب المقدسة, أعاد كل معسكر إنتاج تطلعاته وترجمتها على أرض الواقع سواء كانت أنظمة تحاول البقاء أو جماعات حالمة في تحقيق مآربها. وسرعان ما تصاعدت الأحداث بين هذه الجماعات ( القاعدة) على سبيل المثال وبين القوى الإقليمية والدولية وصولا إلى أزمة أيلول/سبتمبر 2001 واستهدافها للقوة العظمى في العالم الجديد عازمة على خوض الصراع ومن ثم أحداث تولوز الفرنسية.
ومنذ وقوع أحداث أيلول استخدمت هالة الحادثة في شن حرب مضادة ضد القاعدة وتقويض إمكاناتها في إرهاب المجتمع الدولي قادته الولايات المتحدة وحلفاؤها. كونت الأمم المتحدة تحالفا أمنيا وبدأت الولايات المتحدة وفرنسا في شن حروبهم السياسية والاجتماعية والإعلامية تجاه التطرف واستطاعت في التقليل من سلسلة الحوادث داخليا مقارنة بدول المشرق والشرق الأوسط.
أما وقد كنا شركاء في ذلك على الصعيد الأمني وقد ساهمنا جليا في ذلك منذ النداء الأول وقد كانت معظم الدول العربية حاضرة في مدريد عند إقرار الأمم المتحدة لبرنامجها في مكافحة الإرهاب والذي تلخص في كل من:
1)      إثناء الجماعات الساخطة عن اختيار الإرهاب
2)      حرمان الإرهابيين من وسائل تنفيذ هجماتهم
3)      ردع الدول عن دعم الإرهابيين
4)      تطوير قدرة الدول على منع الإرهاب
5)      الدفاع عن حقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب
ولاشك في مساهمتنا في تدعيم الجانب الأمني والاقتصادي في مكافحة الإرهاب ويبقى ما الخلل إذا لماذا تحتوي تلك الجماعات على أعداد كبيرة من مواطني الدول العربية بالتحديد؟, صحيح أن منطلقات هذه الجماعات أصولية بالدرجة الأولى وتأخذ مرجعيتها من السلف أو من التاريخ الماضي رافعة شعاراتها في مواجهة الحقيقة الحالية واسترداد الأزمنة الساحقة ولكن لماذا أحرز شركاؤنا تقدما في حربهم ضد الإرهاب أكثر مما فعلنا ؟ ولماذا فشلنا عربيا في تكوين نماذج واقعية قادرة على التعاطي والمشاركة وعلى مواجهة ذلك اجتماعيا واقتصاديا وفكريا؟

وكان من الصعب جدا على مختلف الدول أن تتحول إلى أجهزة أمنية تراقب نشاطات مواطنيها ليلا ونهارا ولذا فعلى سبيل المثال نجحت الولايات المتحدة وفرنسا في خلق فضاء معادي للإرهاب وثقافة مضادة ظهرت في تعاطي الإعلام مع حالة القاعدة على سبيل المثال وكما ذكر المفكر على حرب في كتابة أزمنة الحداثة الفائقة والذي يتحدث فيه عن المشروع الأمريكي للإصلاح العربي في مؤتمر الاسكندرية وتطلعاته لمحاربة هذه الظاهرة يقول : "إن ما  حدث من هجمات إرهابية ليس عمل إرهابي بحت , وإنما هو فعل ثقافي بقدر ما هو حدث فكري "  ويتابع : "إن معالجة الإرهاب تحتاج إلى إجراءات أمنية بقدر ما تحتاج إلى تحولات في بنية الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعليمها" .

إن الحديث عن إلغاء الأنشطة والسلوكيات المحتمل تحولها إلى فكر إرهابي ليس كافيا لتفادي ذلك فالمجتمعات تشكل ما يلائمها وثقافتها بأي شكل كان كالمجتمع السوفيتي وعالمه الباطني الذي كان مغايرا تماما للواقع الظاهر. لذا فإن التحول الثقافي للمجتمعات العربية لابد وأن يكون شاغلنا الأول في مواجهة القضايا أجمع ولا ننسى أننا كجزء من هذا العالم مسئولون عن المتغيرات كافة فكيف بالظاهر التي تجعلنا في مقدمة الانحسار والتراجع ؟
إن ظاهرة الخلافة تعبر عن تحول جذري من الحلم للواقع للتطرف والأصولية ومهما أصبغت بالخطورة أو التهميش لن نغفل عن كونها واقعا جديدا يفتح الباب لظاهرة اندثرت منذ عقود ولو كانت متواجدة في أشكال أخرى وابتعادنا عن نقد الموروث السلفي للعقل العربي الجمعي يؤكد عجزنا في تجاوز الواقع.

وأخيرا إن الشعارات لم تعد كافية لمواجهة التحول الزمني والفكري دون اتخاذ ضروريات التقد في سبيل الحصول على مجتمعات أكثر صلة بالواقع تعيد إنتاج مؤسساتها وتطرح حلولا للإشكالات والتحولات دون الاعتماد على قوالب مسبقة وجامدة.


المدينة المنورة 
10 يوليو 2014

الأحد، 22 يونيو 2014

الهوية وأزماتها ..


تخوض الشعوب أشكالاً من الصمود والمقاومة في السبيل إلى الحياة والعيش وتبقى سلوكياتها معلقة بمدى تقدمها في تكريس الإنفعالات وقراءتها سواء كانت فكرية أو جسدية أو متعلقة بالبقاء أو العدم. وفي هذا الصدد تتطور شكليات السلوك متخذةً مُبرراتها المواتية للظروف والصيرورة.

إن النفس البشرية عادةً ما تهب للقيام بمهماتها إذا ما شعرت بإنحسار وجودها محاولةً أن تمحو مخاوف اختفاء ملامحها عن طريق تكرار معتقداتها وتأثيراتها على الكون والوجود. وفي هذا الصدد تتبدل الأسباب لكل جنس وفئة فالأمم التي تمر بمراحل اتزان هويتها وبزوغ ثقافتها تلجأ إلى تجسيد شعاراتها أو سلوكياتها الصورية  أو نتاجها الفكري أو رموزها التاريخية في السلم والحرب في سبيل أن تقول للكون أنها 'هُنا' !.


وكلما كان خطاب الهوية مهزوزاً اقتربت الشعوب في نكباتها أو أزماتها من بدائية الفطرة ولجأت نخبها إلى التعبير عن وجودها بأشكال أقرب إلى الفطرة منها إلى إلى النتاج الحقيقي للشعوب ، ففي بعض الأحيان تلجأ الشعوب للتعريف عن نفسها عن طريق الجنس أو المعتقد أو الأساطير البالية أو النخب المهتزة بدلا من استخدام معاير الزمن والعصر لإثبات قدرتها على البقاء وكلما نظرنا إلى الأزمات المتعددة التي مرت في التاريخ والسبل المتخذة للتعامل معها من قبل الشعوب المتأزمة وجدنا تبايُناً واضحا ومرتبطاً بماهية الشعب المتأزم ومدى قدرة الجانب الحي من موروثهِ للتصدي للإزمة المطروحة.

وعلى سبيل المثال ما كان عليه الحراك المجتمعي في الهند لمواجهة الاستعمار أو الحماية البريطانية على مدى قرنين من الزمن وماحدث من اتساع للطبقة المتوسطة التي حاولت أن تحافظ على وجودها للحد الذي جعلها تتشارك في العادات والتقاليد وتعممها حرفيا مع اختلاف المعتقدات لأفرادها ويُدلل على ذلك مدى تشابه السلوكيات اليومية حتى تلك الغذائية أيضاً لأغلب فئات الهند المندمجة في كيان موحد. 

 وربما يُفاجئُنا الحديث عن حالات (شعوب) أخرى واجهت الإقصاء أو الاستعمار بأشكال مختلفة ومنها والتي نلاحظ انصياعها لرموز وأشخاص بذاتهم ومحاولة إيجاد إطار محدد للوقوف عليه ففي الحالة العربية عموماً دائما ما نسمع ونلحظ ترويجاً للشعارات القطعية كالبطل فلان والشهيد فلان والعظيم فلان والملك الصالح فلان إلخ .. ويقتضي ذلك وجود فلان المنتمي لفلان وفلان الناصري وفلان الزيدي وفلان الدستوري وهلمَّ جرا ..

ويؤكد ذلك يوما بعد يوم أننا نعاني من أزمة في صيغة للهوية والثقافة المشتركة للشعوب العربية التي تواجه مصيراً مشتركاً أيضاً وهي التي لا تزال غارقةً في الرمزية وفي الماضي دون اللجوء لصياغة معنى حقيقي للوجود.

فما يُمكننا أن نتحدث عنه هو الإدراك بعالمية الشأن العربي وإمكانية الهوية في مواكبة الظروف والتطلعات في آن واحد مع المساهمة في إثراء الثقافة العالمية والإبتكار العالمي فالشعوب التي تنقرض ثقافياً هي التي لا تساهم في الإنتاج البشري ككل وتظل معلقةً في ماضويتها وانعزالها دون القدرة على نقد موروثها ومحاكاة حاضرها والتطلع إلى مستقبلها.


المدينة المنورة

٢٢ يونيو ٢٠١٤

الثلاثاء، 10 يونيو 2014

النخبة ومفهوم الدولة

بدايةً من نشوء الحدود القطرية في العالم العربي والصراع بين بين الهويات القديمة (الجزئية) والهويات المتجددة (العامة) في تزايد وتصاعد وكلما وصلت الأمور في زمن ما إلى نقاط فارقة، تخرج هذه الصراعات في صورتها الحقيقية مؤكدةً على استحالة تصورها بدقة في مراحل عدم الاتزان، في الوقت الذي تظهر فيه إمكانية مساءلتها والتأثير فيها وربما التأثر بأبعادها. 
وتبقى الجدلية الممتدة في محاولة تقيدها ووضعها داخل قوالب محددة في سياق التجسيد الذي يجعلنا أكثر قدرة على مسابقتها نحو المستقبل ودفعها في سبيل القيم العليا أمراً لا يخضع إلى شيء بعينه إنما لسلسلة أحداث وذكريات مديدة لا يحكمها شيء.


ويبقى الصراع الأولي على الجسد والغذاء متداخلاً في تكوين الهيئة المجتمعية لكل الشعوب والأجناس ولاعباً أساسيا في تحريكها لا سيما أنه يعزز الأدوات التقليمية الأولية كذلك وهي التي تقوم على اللون والشكل والطقوس دينية أو مجتمعية ويبدو ذلك واضحاً في تكوين النخب المثقفة في المجتمعات التي يختلط بها الدين والدولة والنظام والمجتمع. 
وكل ذلك يبدو لنا واضحاً في المراحل الانتقالية للقوميات والشعوب وإذا ما استقينا من نموذج العصور الوسطى أوربيا أو في بداية الثورة الأمريكية سنجد أن الصراع يأخذ أشكالاً متعددة يعبر عنها أشخاص بعينهم كممثلين عن هويات جزئية ولكن بسلطة عامة ولكن سرعان ما تبدأ المجتمعات في تفصيل هوياتها في سبيل الوصول إلى هوية عامة ويبدو غريبا جدا إذا ما نظرنا إلى الآباء المؤسسين في الولايات المتحدة وكيف أصبحو بحد ذاتهم تمثيلاً شاملاً لهوية وطنية كاملة ولكن لم يمض كثيراً حتى تجدد هذهِ الهوية وانصهرت في فضاء مجتمعي عام له أطروحاته المتسقة مع الظروف والعصر والمستقبل وليست مقيدة بما كان يعتقده الآباء ولا بتبني وجهات نظرهم عن القضايا ، ولا بتبني آراءهم الشاملة. 

ولو أخذنا جون لوك كمثال عن ذلك سنجد أن غالبية النخب الأمريكية التي مرت على مر القرن الأخير لا تتبنى رسالته للتسامح التي يرفض فيها التسامح مع 'الكاثوليك' أو 'الملحدين على حد وصفه وهذا ناتجاً عن تطور المفهوم العلماني للدولة وبوصفها هوية تحتفظ بكامل هوياتها الجزئية وليست حبيسة لآراء ممثليها الأوائل والدليل على ذلك توجهات المؤسسات المدنية في محاولة التسوية العارمة لأفراد مجتمعاتها والأمثلة شاهدة على ذلك.


وفي العالم العربي اليوم وبعد الأحداث المتواترة التي شكلت منعرجاً تاريخياً في حياة العرب اتضح لنا أننا أكثر بُعداً من طموحاتنا ولا سيما على مستوى النخب وبدا هذا واضحا في خطابات النخب التي لا زالت تلخص مفهوم الشعب أو الجماعة في شخصيات بعينها لا يمكن أن تحيد عنها قدر أنملة. ولا نستغرب اليوم إذا رأينا صحفيا يُحسب على نخبة في بلد ما أن يُبرر هجومه أو حقده على شعوب بعينها بسبب تصرفات زعماء غابرين لها مما يؤكد على أن شرخاً واسعا في مفهوم الدولة والنظام يتباعد في تكون العقل المجتمعي لنا ، ومن المؤسف أن كهذه العقليات التي عاشت بيننا الخمسة قرون الماضية بوصفها نخباً لم يشأ لها القدر أن تراقب ماهية الدولة كحقيقة قابلة للتغير بالرغم من إدراكها لإنفصال الدولة العربية القطرية الغارقة في النظام عن ثقافة شعوبها وتطلعاتها. وكمثال سيبرر لك هذا الصحفي  أو الكاتب-المحسوب على النخبة- عداوته لشعب ما بسبب احتلال حاكمه المتسبط لدولة أخرى راميا بذلك كل الأسباب عرض الحائط والأمثلة تطول.


وفي النهاية لابُد أن نُقر بأن الصورة ليست سوداوية بهذا الشكل السالف ذكره وإنما هذه عينات فقدت قدرتها على فهم الخطاب الشبابي ولازالت بعيدة عن أبعاده ومفاهيمه، وأمكانيته على كسر حاجز المفهوم 'السلطوي' الذي يجمد عقلية المثقف وآراءه.


الظهران

٦ جوان ٢٠١٤

الثلاثاء، 20 مايو 2014

نثريةُ امرأة

بعدَ أن أرهقت عينيّ من السهر

بدا وجهها الغريبُ يتفتتُ من عبقِ الذاكرة

ويتفجرُ من أُغنيتي

كان جسدُها يؤرخُ مقطوعةً للقراصنةِ الهاربين

إلى الأندلس

يُحاصرُون الغجرَ والأكبادَ الذين يناوؤنَ الغضب!

من أين يأتي الربيعُ .. لازلتُ اسألُ

وكيفَ يقتحمُ قلبكَ هذا السيلُ المُدججُ بالأنوثة ؟

كنتُ اذكرُ أنيّ أُحبُكِ كالمدينة

كالبعثِ الذي يختزلُ المحيطَ في دمعةٍ أزليةٍ

أو كأرضٍ جفّتْ من القهرِ وأقدامِ الصخبْ

لازلتُ أرى الأشياءَ كلها تتوالدُ من رحمِ السحابة

أيتها السماءُ الثامنة !


الظهران 

١٩ مايو ٢٠١٤

الثلاثاء، 6 مايو 2014

بين الكيان والفرد

في عام 1916، كتب الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" إلى زوجته "إلفريد" يقول: إن تهويد ثقافتنا والجماعات مرعب فعلاً، وأعتقد أن على العرق الألماني أن يجد ما يكفي من القدرات الداخلية كي يصل إلى القمة". وفي عام 1933، كتب إليها أيضا بخصوص الفيلسوف "كارل ياسبرس"، وهو من أصدقائه المقربين يقول: "يزعزع كياني أن أرى كيف أنّ هذا الرجل، الألماني الخالص، بغريزته الأكثر أصالة، الذي يدرك الضرورة القصوى لقدرنا... يبقى مرتبطا بزوجته". وينبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الزوجة يهودية. ولقد أجاب هايدغرعلى سؤال صديقه "ياسبرس" الذي سأله، كيف يمكن أن يحمل رجل مثقف مثله ذرة إعجاب واحدة بشخصية تافهة وفظة كهتلر، بالقول: "يداه جميلتان جدا"!.


تحمل هذه الرسائل دلائل عميقة حول إمكانية تضخم الذات المفكرة، وتطويعها بشكل راديكالي فظيع من طرف الأيديولوجيا، وتحويلها إلى مصدر الشر الأصيل الذي يهدم قيم النبل، والحرية الإنسانية الطبيعية للفكر الإنساني. ولعل أَثر "مارتن هايدغر" بانشغالاته الفلسفية، وإسهاماته الكثيرة في الفلسفة الحديثة، وبالموازاة مع قناعاته السياسية المثيرة للجدل، جعلت منه أحد أعمدة "كتيبة العاصفة في الفكر"، كما سماه الفرنسي "جورج لوكاش".

إنّ الإشكالية المطروحة هنا، بكل تعقيداتها وتداخلاتها المعرفية، هي في ماهية المثقف نفسه، في تعريفه ودوره أو أدواره، وفي المساحات المتاحة له، في تمييزه عن السياسي إن وجد هذا التمييز، ثم في التزامه أو عدم التزامه بدوره الأساسي في محيطه المجتمعي.

كان ذلك عن المثقف الأوربي الذي تطور من حينها تطوراً هائلا.لكن المثقف العربي تراجع كثيرا في مرحلة الضعف الكبرى، والتي يمكن أن نؤرخ لها منذ بدايات التسعينيات من القرن الماضي، عن مكتسبات الريادة الثقافية والفكرية في وطن جريح ومستلب، من طرف أنظمة استبدادية شكلت الجهة الوحيدة الموجِهة لخيارات الدولة والمجتمع معا، بدون منازع أو معارض. وربما الأمر المُستحدث هو ظهور مثقفي السلطة، الذين يناضلون من أجل بقاء السلطة الحاكمة ونُمِّوها ونُضجها، مستعملين وسائل الدفاع المشروعة وغير المشروعة أخلاقيا وقيميا، من أجل إنجاح تَمركُز السلطة الحاكمة مايعني أنه أصبح يؤدي دوراً وظيفياً بلا معنى ويرجع ذلك لسببين : الأول إنه قد أصبح أداة من الأدوات سواء في يد السلطة الحاكمة أو الموروث الماضوي. الثاني: عدم قدرته من تخطي المحيط المجتمعي وإنعزاله عن الإبداع المعرفي والثقافي. 

وقد خرجت علينا اليوم عربياً موجة متجددة من الرجعية الثقافية التي تُمجد الأفراد والسلوكيات العبثية (صالحة أم طالحة) في سبيل اللاشيء ربما مما يُؤكد انعدام الفكر المؤسسي للمجتمعات العربية في ظل انعدام الفكر المتجدد والتصورات الجادة لدول مؤسسات قادرة على إنتاج ذاتها. وها بنا نجد أن الصفحات تمتلئ بالمقارنات بينهم وبين العلماء بل بينهم وبين رؤساء الدول الديموقراطية مع إيمان تام بتفوقهم وربما بينهم وبين الفلاسفة ! .. وهلمَّ جرا.
وقد لا نلوّمهم في حين إنعدام الهوامش التقدم الفكري في ظل التسلط الديني والعلماني في سياق المجتمع مما يجعل المثقف في صراع "إما كذلك أو فلا"
 
وكنّا نؤكد قبل سنوات عن تأثير الجمهور المباشر على المثقف وأدواته، ولصدفةٍ كونيةٍ ما أو صدمة فكرية سمرت عقول المثقفين أو بعضهم عن هذا الحديث مما جعلهم أدوات مُفردة تستخدمها السلطات والجماهير معاً .. حتى ذلك الحشد الديني القديم في حين أن المثقف أصبح عاجزاً عن تكوين فكرة ما ابتداعاً ! .. وقد رأيناهم أنفسهم عاجزين عن فهم الإختلافات والآراء المتباينة. وأعلم جيداً أن هناك من سيؤكد على وجوب عدم إطلاق مصطلح المثقف على هؤلاء .. ولكن إيماناً بوجوب محاكاة العقول بسياقاتها كان لابد من ذلك في ظل استمرار الغياب للمثقف الحقيقي المحافظ الذي يرى وجوب التطوير في ظل الرجعية مع الأخذ في الاعتبار الظروف والمتغيرات في ظل انغماس المعنى المحافظ للدول داخل الأنظمة.

٦مايو ٢٠١٤
 
أبوظبي